البحث العلمي في ليبيا: دور الجيل الجديد من البحّاث


 

هناك إمكانية لتحسين بيئة البحث العلمي في ليبيا، وأحد الأسباب التي تدعو للتفاؤل بخصوص مستقبل العلم في ليبيا، هو عدد طلاب الدراسات العليا في جميع التخصصات الذين يتدربون في جامعات أوروبا وأمريكا الشمالية. ووفقا لإحصاءات وزارة التربية والتعليم العالي في ليبيا، هنالك ما يقارب 3000 طالب ليبي مسجلين في الدراسات العليا في الجامعات البريطانية وحدها، وحوالي نصف هذا العدد في أمريكا الشمالية. غير أن مخرجات الأبحاث لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات الليبية لا تزال منخفضة جداً. على سبيل المثال، كشفت دراسة حديثة من الكتابات الطبية المنشورة أن متوسط الإنتاج البحثي السنوي في جامعة طرابلس الطبية هو1.4 بحث لكل 100 عضو هيئة تدريس. قد يرجع هذا لأربعة أسباب رئيسية تفسر المشاكل التي تواجه البحث العلمي في الدول العربية بشكل عام وفي ليبيا على وجه الخصوص: 1) هجرة العقول 2) عدم وجود تمويل 3) عدم وجود بنية تحتية علمية، مع عدم كفاءة الموظفين من الناحية العلمية، و4) الإفراط في ساعات وأماكن التدريس. سيتم في هذا المقال مناقشة الدور الذي يمكن أن يقوم به الجيل الجديد من الباحثين الليبيين للمضي قدما في إنتاج البحوث العلمية في ليبيا.

بناء شبكة من العلاقات لمعالجة هجرة العقول

إن مخرجات الأبحاث في الدول العربية، التي يتم تقييمها على أساس عدد المنشورات، وبراءات الاختراع المسجلة، والعلامات التجارية، وصادرات التكنولوجيا العالية، تعتبر من أدنى المعدلات في العالم. وتشير التقارير الواردة من جامعة الدول العربية والمنظمات الدولية أن من بين الأسباب الرئيسية التي تعيق البحث العلمي هو هجرة الأطباء والمهندسين والعلماء. كما تظهر التقديرات أن 54٪ من الأطباء و26٪ من المهندسين و17٪ من العلماء المتخرجين من الجامعات العربية والأفريقية يهاجرون إلى أوروبا، الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وحوالي نصف الطلاب من أفريقيا والدول العربية الذين يدرسون في الخارج لا يعودون أبدا. مما أسفر عن تأثير سلبي على إنتاج البحث العلمي في العالم العربي، عليه تقدمت العديد من المبادرات الرامية إلى جذب العقول المهاجرة للمساهمة في خطط البحث والتطوير في بلدانهم الأصلية. في الآونة الأخيرة، وفي محاولة من الجزائر لوقف هجرة العقول الموهوبة، أصدر قرار بعدم إرسال الطلاب للدراسة في الخارج. هذا الإجراء العكسي اظهر مدى اليأس الذي وصل اليه واضعي السياسات في الدول العربية في محاولة منهم للتصدي لهجرة علمائها إلى العالم المتقدم. في المقابل، باشرت ليبيا وضع خطة طموحة للاستثمار في تعليم وتدريب طلاب الدراسات العليا في أوروبا وكندا ومؤخرا في الولايات المتحدة الأمريكية. رغم المخاطرة بفقد العلماء، اتخذت الجهات المعنية الليبية خطة واضعة في الاعتبار أن تطوير القدرات البحثية العلمية المحلية تعتمد على توفير أفضل طرق التدريب والتعليم لعلماء المستقبل. ومع ذلك، لا بد من تنفيذ حلول مبتكرة للحصول على أقصى استفادة من العقول الليبية المهاجرة. إن التواصل الفعال بين العلماء الليبيين في الخارج والمؤسسات العلمية الليبية يمكن أن يعود بالنفع على المجتمع البحثي في ليبيا، وعلى المدى الطويل سيجذب العقول المهاجرة لفرص القيام ببحوث علمية محتملة في البلاد. إن الجيل الجديد من الباحثين الليبيين لديهم دور كبير في تطوير شبكة تواصل واسعة وذلك عبر الحفاظ على العلاقات مع المؤسسات التي تدربوا فيها، وعبر التواصل مع العلماء الليبيين الآخرين، حيث أن التواصل بين الباحثين الليبيين داخل ليبيا وأولئك الذين يعملون في بلدان أخرى سيعود بالنفع لكلا الطرفين.

طلب التمويل حين استنفاذ الموارد المتاحة

في نفس الوقت الذي يضغط فيه المجتمع البحثي للحصول على مزيد من التمويل والباحثين والعلماء لتحقيق نتائج معينة، يسعى للاستفادة القصوى من الموارد المتاحة. إن نسبة الإنفاق على البحث والتطوير في ليبيا ودول عربية وأفريقية هي حاليا أقل من مناطق أخرى في العالم (شكل 1). لذا يجب على الباحثين تعزيز فكرة الحاجة للبحث العلمي، وكذلك عليهم تبرير مصاريف الإنفاق على المشاريع البحثية. إنها ليست مهمة سهلة بالنسبة لمعظم العلماء الجدد الطموحين لإجراء بحوث علمية، والذين يفترقون لمهارات العلاقات العامة والقدرات الإدارية التي يحتاجونها للمشاركة في تأمين المزيد من التمويل للمؤسسات والمشاريع البحثية. إن زيادة ظهور الباحثين الشباب والجدد داخل المجتمع العلمي والتعليمي في ليبيا سيزيد بلا شك من فرصة المشاركة في المناظرات والمناقشات حول الخطط البحثية الحالية والمستقبلية. تعد المشاركة في المؤتمرات واللقاءات العلمية، والمشاركة في مشاريع بحثية ذات ميزانية صغيرة، ونشر البحوث الخاصة من أهم العوامل التي تؤدي إلى إيجاد فرص كبيرة للقيام بمشاريع بحوث متقدمة. هنالك العديد من فرص التمويل الدولية والإقليمية والوطنية التي لا يدري عنها العلماء الليبيين.
مؤخرا (2009)، أعلن مدير المجلس الوطني الليبي للأبحاث العلمية في مؤتمر أكاديمي لطلاب الدراسات العليا الليبيين في جامعة برادفورد، أعلن أن عروضا لتمويل المشاريع العلمية متاحة للمزايدة، ولكن قلةً همْ من تقدموا بمشاريع واقعية. وسيكون من المفيد لو استثمر العلماء الشباب الكثير من الوقت والجهد في البحث عن مصادر التمويل والحصول على المهارات اللازمة التي تمكنهم من المنافسة على المنح.

بناء مجتمع بحثي مؤَهّل

في العقد الماضي زاد الإنفاق على البنى التحتية للتعليم العالي في ليبيا، حيث توجد مختبرات حديثة في الجامعات الليبية ومراكز البحوث والمستشفيات. رغم ذلك، هناك قصور في تدريب الموظفين، والحفاظ على المعدات وتوفير إمدادات مستمرة من المواد الاستهلاكية. فعلى سبيل المثال، عندما تم تأسيس المختبر البيطري للتشخيص والبحوث وتجهيزه بالكامل في منطقة بنغازي قبل سنوات قليلة، اكتشفت كلاً من الجامعات المحلية والسلطة البيطرية انه لا يوجد أي شخص متدرب على تشغيل المجهر الإلكتروني المثبت حديثا. حيث أن معظم أوجه القصور المذكورة آنفا ناتجة من: 1) عدم وجود الدافع على المستوى الإداري للجامعات لجعل البحث العلمي أولوية و 2) عدم وجود خطط تنمية للموظفين الفنيين المساعدين. لذا، يجب على العلماء الشباب أن يعالجوا هذه المشاكل بإيجابية.
إن في تدريب وتشجيع الموظفين التقنيين لتشغيل مختبرات الأبحاث حل للعديد من المشاكل اللوجستية والتقنية، كما أن تطوير التواصل بين الموظفين الإداريين والتقنيين يؤدي لنجاح محقق. وعلى الجامعات أيضاً إعادة النظر في الأولويات الاستراتيجية لديها وخلق مجتمع علمي يتم من خلاله إثراء البحث العلمي. ومن جهة أخرى، على نظم المكتبات وتقنية المعلومات أن تدعم كلاً من المعلم / الباحث والطالب / الباحث في نفس الوقت.
الانفاق على العلم

ربط البحث العلمي بالتعليم

ترتبط مهام تدريس جميع الأكاديميين في الجامعات الليبية بالراتب، فكلما زادت ساعات التدريس زاد الدخل بالمقابل. وعادة ما يتحصل الأكاديميين الجدد على الجزء الأسوأ من الصفقة. وتُحتل الحياة الأكاديمية للباحث الشاب بجميع أنواع الأنشطة التعليمية من إلقاء المحاضرات وتقييم ومراقبة الامتحانات، ولكن لا تسهم أيا من هذه الأنشطة في تطويره/ها. عندما يعود الأكاديميون الجدد إلى ليبيا بعد الحصول على شهاداتهم، وبعد أن شاركوا في البيئة البحثية العاملة في أوروبا وأمريكا، يكونون عادة محملين بالعديد من الأفكار البحثية. الخطة الممكنة لإنقاذ قدراتهم البحثية هي ربط التدريس بالبحث العلمي، فمن المعروف أن دمج البحث بالتدريس يوفر إمكانيات غنية لإنتاج معلمين أكفاء وطلاب موجهين نحو البحث. فلابد من دمج هذا الترابط في المناهج الدراسية، وينبغي أن ينفذ على مستوى المؤسسات ليكون ناجحاً.

الخلاصة

يحمل الجيل الجديد من البحّاث الليبيين دوراً كبيراً في التغلب على التحديات التي تواجه عملية البحث العلمي في ليبيا. فهم لا يحتاجون إلا اتخاذ موقف إيجابي، ونهج التفاؤل الذي من شأنه أن يعود بالنتائج المثمرة. إن التواصل مع الزملاء داخل وخارج ليبيا هو المفتاح لتبادل الأفكار ومناقشة القضايا المتعلقة بالعلوم وحل المشاكل بواقعية.

 
 

كتابة: أسامة أ. الطشاني

ترجمة: أسماء عمر الغرياني

المقال الأصلي

مصدر الصورة

 

أسماء الغرياني

أسماء الغرياني

بكالوريوس طب بيطري
ماجستير في علم الاعصاب
باحثة في مركز بحوث التقنيات الحيوية / ليبيا
أسماء الغرياني
No votes yet.
Please wait...

أترك تعليقك، و ناقش علماء ليبيا