منشورات PubMed الطبية الصادرة من ليبيا 6


 

 

المقدمة

نظرًا لأهمية المنشورات العلمية كمؤشر لناتج البحث العلمي، فإنه من المفيد مراجعة وتقييم هذا النشاط على المستوى الوطني. تعد ليبيا دولة نامية ذات موارد مالية كافية. لدى ليبيا 10 الجامعات كبرى، وأكثر من 3000 طالب وطالبة طب في طرابلس وحدها. على حد علمنا، لم يتم نشر أي تقرير عن حجم أو نوعية المنشورات الطبية من ليبيا قبل الآن (2007).

يرتبط تحسين الخدمات الصحية في أي بلد ارتباطا وثيقا بنوعية البحوث المحلية. ويمكن تصنيف البحوث الطبية إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: 1) بحوث العلوم الأساسية، 2) بحوث انتقالية (التي يتم تحويلها إلى ممارسة عملية) * و3) البحوث السريرية. إن الأبحاث عالية الجودة تتطلب التعاون الجيد والتنسيق بين الجامعات ومراكز البحوث في جميع هذه الأنواع الثلاثة. وتحتاج بنية تحتية قوية جدًا وتعاون بين العديد من التخصصات لإنتاج ونشر الأبحاث.

لا توجد قاعدة بيانات في ليبيا تحتوي على معلومات موثوقة حول كمية ونوعية الأبحاث الطبية في المؤسسات الصحية والطبية التعليمية المختلفة. ومن الصعب أيضًا الحصول على بيانات مماثلة من دول أخرى في المنطقة المحيطة لاستخدامها للمقارنة. لهذا السبب، يعد PubMed المصدر الأكثر اتاحة للوصول لبيانات المنشورات المحكّمة. تم في هذه الدراسة استخدام قاعدة بيانات Medline للبحث عن كل المنشورات التي يتبع أصحابها مؤسسات ليبية، تونسية، مغربية، أو يمنية و التي تم نشرها خلال السنوات من 2002 إلى 2006 (راجع النص الأصلي للحصول على كامل طرق البحث) *.

النتائج

أظهرت النتائج أن معظم المنشورات يتبع أصحابها مؤسسات في تونس (1026)، والتي تمثل 56.16٪ من المطبوعات التي أجريت عليها هذه الدراسة (الشكل 1). في المقابل، لم يكن هنالك سوى 71 منشورًا من ليبيا خلال فترة 5 سنوات. كان عدد المطبوعات من المغرب 626، ومن اليمن 104.

عند فحص النتائج بطريقة تظهر نسبة المنشورات السنوية لكل مليون نسمة، وجدنا أن تونس أنتجت 20.4 منشورًا لكل مليون نسمة سنويًا. وأنتجت ليبيا 2.4 منشورًا فقط لكل مليون نسمة سنويا. وكان الإنتاج السنوي للمغرب 3.9 واليمن 1.04 منشورًا لكل مليون نسمة (الشكل 2).

بعد معايرة عدد من المنشورات السنوية لمعدل الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (GDP) بالدولار الأمريكي، مرة أخرى وجدنا أن معدل النشر الليبي كان متخلفًا عن البلاد المجاورة (تونس) بما يقارب العشرين ضعفًا (الشكل 2). أنتجت ليبيا 0.4 منشورًا فقط لكل مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي. وأنتجت تونس نسبة 7.2 منشورًا سنويا لكل مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى بكثير من المغرب (2.4)، واليمن (1.4)، وليبيا. إذا اعتبرنا أن بحّاث البلاد في مجال الطب الحيوي مجموعة واحدة، سيكون عامل التأثير (impact factor) لسنة 2006 للمنشورات الليبية ذات الصلة 0.55. وقد أظهر عامل التأثير للمنشورات المماثلة في تونس والمغرب 1.0 و0.94 على التوالي. وكان عامل التأثير لليمن 0.15. لقد تحصلنا على نتائج مماثلة عندما قمنا بحساب متوسط عدد الاقتباسات لأفضل 10 مقالات تم الاستشهاد بها من كل بلد خلال فترة الدراسة نفسها. كان تردد الاقتباس لأكثر 10 ورقات ليبية استشهادًا 3.6 استشهادًا لكل منشور. وقد أظهرت نفس الحسابات لتونس، والمغرب، واليمن 18.6، 13.9، و4.6 استشهادًا لكل منشور على التوالي.

من بين كل المنشورات الصادرة من ليبيا (71)، كانت 27 منها صادرة من طرابلس، وقد كانت 22 ورقة لأعضاء هيئة التدريس في جامع الفاتح (سابقًا) كلية الطب (منها: 4 تقارير حالات، 1 مراجعة علمية و17 مقالًا أصليًا). إن لدى جامعة الفاتح أكثر من 3000 طالب طب إضافة إلى 400 عضو هيئة تدريس. مما يعطي متوسطًا للإنتاج السنوي يقدر بمعدل 1.4 مقالًا لكل 100 عضو. مرة أخرى، يعد هذا المعدل منخفضًا جدًا مقارنة بالتقارير الواردة من تونس، والتي تمثل 27.3 مقالًا لكل 100 عضو في السنة.

ترجمات

 

المناقشة

تعد المنشورات الطبية والعلمية مؤشرًا هامًا لجودة الخدمات الطبية والتعليم الطبي في البلاد. وقد أدت النقاشات حول المنشورات الطبية الصادرة من ليبيا إلى قرارنا للتحقيق في هذا الموضوع. عندما تم الاتفاق على المضي قدمًا في هذا البحث، قررنا البدء بالبحث في Medline\PubMed. شعرنا أن Medline\PubMed هي أفضل وسيلة لاستكشاف البحوث الطبية التي تنتسب إلى كتاب ليبيين، لأنها أكبر قاعدة بيانات للمنشورات الطبية الحيوية المحكّمة.

إن نشر مواد ذات جودة جيدة تدفع البحث العلمي إلى الأمام وتحفز إنتاج الأبحاث واستكشاف المجالات الأخرى بشكل مستمر. ومن الواضح أن ليبيا متخلفة عن الدول المجاورة لها في هذا الصدد. على وجه الخصوص، عند مقارنة إنتاج الباحثين التونسيين مع إنتاج نظرائهم الليبيين يظهر تفاوتٌ كبير، على الرغم من تشابه ليبيا وتونس بشكل كبير في الثقافة والدين والتاريخ.

بصرف النظر عن كمية المنشورات، يبدو أن نوعيتها أيضا ذات مستوى أعلى في تونس. حيث أن تونس تعطي قدرًا عظيمًا من التركيز على التعليم والبحث العلمي والتعاون البحثي مع دول العالم. في المقابل، إن النظام التعليمي في ليبيا لا يؤكد على الأبحاث الطبية في الدراسات الجامعية والدراسات العليا. علاوة على ذلك، لا تركز الجامعات على نوعية وجودة الأبحاث عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالترقيات الأكاديمية. ومع أن الجامعات من حيث التسمية تعد مراكزَ للأبحاث، توقفت في مرحلة ما ولم تزد عمّا هو أبعد من الاسم، وبقِيَت مراكز للتدريس فقط.

من المهم أن نفهم دور العلم في المجتمع؛ وعلى كل حال، إن بناء القدرات العلمية هو أكثر أهمية من بناء جامعات جديدة أو مراكز للأبحاث. التفكير النقدي، والشفافية، والقواعد الصارمة للتطلعات، والإنتاج العلمي ذا الجودة العالية تعد أمورًا ضرورية. إن البيئة العلمية الحرة والتخطيط بشكل جيد ينتج علماءً يعملون بجد، علماء يكسبون الاحترام في الأوساط الوطنية والدولية، علماء بمقدورهم المساهمة في تقدم المجال الطبي وجودة الخدمات الصحية بشكل عام.

يتطلب إنتاج البحوث الطبية ذات النوعية الجيدة بيئةً يمكن فيها لكل المجموعات البحثية أن تتعاون بشكل فعّال في إنتاج بيانات علمية قيمةٍ للمجتمع التي تخدمه، والمجتمع الطبي ككل. وتعتبر الجامعة معملًا ضخمًا حيث يتفاعل الباحثين ويتنافسون على ضم طلاب الدراسات العليا الأذكياء، وعلى تمويل أبحاثهم، وعلى إنتاج بيانات علمية ذات جودة عالية. وإلى جانب التمويل، تعد شبكات العلاقات بين الباحثين، والتعاون بين المراكز البحثية السر وراء عدد ونوعية المنشورات في الدول الاوائل المنتجة للبحوث في العالم.

إن بناء أي مجموعة بحثية يتطلب قادة متميزين للأبحاث، قادة تم اعتمادهم وتجربتهم خلال العمل الأكاديمي وفقا لإنتاجهم للدراسات الأصلية ذات الجودة العالية. ويعد تحليل نسبة الاستشهاد بالأبحاث واحدًا من الطرق المعروفة لجمع المعلومات عن نجاح الأفراد والمجموعات البحثية. والأمر متروك للجامعة لكي تضع مجموعة من المعايير لترقية أعضاء هيئة التدريس. في الحقيقة، إن المعدل المتدني لنوعية وعدد الناتج العلمي الصادر من ليبيا، والذي ظهر في هذا البحث، يشير بوضوح إلى وجود نقص كبير في المؤسسات الأكاديمية الطبية.

سوف يكون من الصعب تحسين البيئة البحثية في ليبيا دون إعادة تشكيل عملية الترقية، ووضع معايير منطقية لتحقيق المناصب الأكاديمية العليا. يجب أن يكون هناك مساران مختلفان، واحد للمهن الخاصة بالخدمات السريرية، والآخر للمهن الأكاديمية. حيث يجب على الأكاديميين اتخاذ مسار التطوير الوظيفي أو المهني، والذي يؤكد على الإنتاج والجودة وبناء الفرق البحثية. إن المهنة الأكاديمية مكملة للمهنة السريرية. تتطلب البحوث الطبية القيادة القوية القادرة على لمضي قدما والمساهمة في النشاط البحثي الدولي. كما هو معروف، تبدأ المهنة الأكاديمية كطالب دراسات عليا يعمل تحت إشراف باحث كامل التأسيس. وخلال كلية الدراسات العليا يدرس الطلّاب مواد تعطيهم خلفية عن ميدان البحث الذي يريدون التخصص فيه، بالإضافة إلى غيرها من العلوم التي يحتاجونها للعمل العلمي بعد التخرج، مثل الطرق الإحصائية. يتعلم الطلاب أيضا كيفية التعاون مع الباحثين الآخرين وكيفية تطوير عقل فضولي. بعد التخرج، يقضي بعض المرشحين سنوات في زمالة ما بعد الدكتوراه يركزون فيها على مشاريع محددة في مجالات اهتمامهم. مثل هذه الدراسات تساعد على تشكيل الأساس لبحّاث المستقبل.

قد يتم انتقاد هذه الدراسة لأنها لا تشمل المنشورات الصادرة من مجلة الجماهيرية الطبية (Jamahiriya Medical Journal)، مجلة قاريونس الطبية (Garyounis Medical Journal) والمجلة الليبية للطب (Libyan Journal of Medicine) الصادرة مؤخرًا. تم تطبيق هذا الاستثناء في كل الدراسة وعلى جميع البلدان التي شملتها. تبقى قاعدة بيانات PubMed المعيار الذهبي لاستعراض المنشورات المحكّمة، والتدقيق في الإنتاج العلمي الصادر من المؤسسات الأكاديمية. إضافة إلى ذلك، لم يتم إدراج منشورات الليبيين العاملين في الخارج، لأنها ستكون صعبة التحديد، فضلا عن كونها تابعة للمؤسسات التي تم إنتاجها فيها. إن الهدف الرئيسي من هذه الورقة هو لفت الانتباه إلى وجود مشكلة، وفتح الأبواب للمناقشة العلمية بين الأطباء الليبيين والأكاديميين.

الخلاصة

تبين هذه الدراسة معدل الإنتاج المنخفض للأوراق العلمية الطبية الصادرة من ليبيا في الدوريات الدولية المحكمة بالمقارنة مع دول مثل تونس. ينعكس هذا الأمر سلبًا على صورة كلٍ من المؤسسات الأكاديمية في البلاد، النظام الأكاديمي والشخصيات الأكاديمية. وقد تكون هذه النتائج انعكاسًا لطريقة وأهمية البحث العلمي من وجهة نظر الأكاديميين في ليبيا. إن المشكلة التي أبرزتها هذه الورقة يجب الانتباه لها والعمل على تجاوزها بشكل فوري، وذلك من خلال تحقيق دور قوي للأبحاث العلمية والنشر في الحياة الأكاديمية، وتأسيس معايير صحيحة للترقية إلى مناصب أكاديمية أعلى.

 

 

 

كتابة:  عمران البكوش، عبد الناصر الطبولي، نورالدين الشمّاخي، المهدي الخمّاس

ترجمة:  أحمد مبروك رمضان

*المترجم

المقال الأصلي

مصدر الصورة

 

أحمد مبروك رمضان

أحمد مبروك رمضان

باحث مهتم بالبيولوجيا الجزيئية و الرنا الغير مرمز (non-conding RNAs, MicroRNA)
بكالوريوس تقنبة حيوية (Biotechnology)، مصر
ماجستير طب جزيئي (Molecular Medicine)، قبرص EU
أحمد مبروك رمضان

Latest posts by أحمد مبروك رمضان (see all)

Rating: 5.0. From 1 vote.
Please wait...

أترك تعليقك، و ناقش علماء ليبيا

6 thoughts on “منشورات PubMed الطبية الصادرة من ليبيا

  • ٍٍShaymaa

    انا طالبة لالاكاديمية الليبيه وكنت اخترت موضوع وشفت دكتور مشرف وشجعني بس للاسف وقت التنفيذ واجهت مشكله كبيرة في المستشفيات حيث رفضو التعاون معي وعند منافشة الموضوع مع احد رئساء الاقسام قالها لي عربيا (( انتي حتستفيدي اني شن حنستفيد )) للاسف هذا وضع الباحث هنا

    No votes yet.
    Please wait...
  • هند علي الجهمي

    اولاً مشكورين على الفكرة والانجاز
    لكي تنشر بحث في احدى المجلات العالية الجودة تحتاج لان يكون البحث في المستوى العلمي مواكب للبحوث العلمية في الدول المتقدمة، وهذا يتطلب غالباً في التخصصات الطبية والبيولوجية امكانيات معملية وفرق بحث متكاملة. للاسف تفتقر المؤسسات التعليمية والطبية الى معامل بحثية، وان وجدت في الجامعات فهي تفتقر الى المعدات المعملية الحديثة، والارتباط مع المؤسسات البحثية الدولية وشركات بيع الاجهزة والمواد البحثية.
    اعتقد انه من الواجب علينا ك اكاديميين وبُحاث او مهتمين بالبحث العلمي
    انشاء قاعدة بيانات بالخبرات الليبية
    انشاء قاعدة بيانات بالمراكز البحثية والجامعات في كل تخصص والامكانيات المتوفرة لديها
    انشاء قاعدة بيانات للمنشورات الليبية المحكمة
    منها يمكن للبحاث الليبيين الاستفادة من الخبرات والامكانيات المتوفرة
    ومنها ايضا يمكن تحديد ماهي النواقص والعراقيل التي تقف في طريق انجاز بحوث علمية ترتقي بمستوى البحث العلمي للدولة
    كما انه يفتح المجال للتعاون مع الجامعات او المراكز البحثية التي سبق الدراسة بها خارج ليبيا للبحاث
    وان يكون لليبيا بصمة في البحوث التي تخدم الانسانية

    No votes yet.
    Please wait...
    • أحمد مبروك رمضان
      أحمد مبروك رمضان الكاتب

      أولا، شكرًا لكِ على التعليق و الإضافة. نحتاج لمناقشة هذه المنشورات الهامة لفهم المشاكل بطريقة أفضل و إيجاد حلول مناسبة لها.
      ثانيًا، يسعدني أن اقتراحاتك قابلة أفكارنا و مشاريعنا في المنظمة، حيث نسعى فعلا لإنشاء كل ما تفضلتِ به حضرتك و أكثر إن شاء الله. يمكنك الاطلاع على المشاريع من هنا:
      http://www.lysic.org/proj/

      أخيرًا، نتمنى من حضرتكم المزيد من التفاعل و النقاش، وربما الانضمام للعلماء في الموقع، أو حتى لفريق العمل.

      شكرًا مجددًا.

      No votes yet.
      Please wait...
  • تهاني حسن البوصيري
    تهاني حسن البوصيري

    من وجهة نظري ، أعتقد أن نقص التوعية بأهمية البحث العلمي لدى المجتمع هو سبب تدني المنشورات الطبية خصوصا و العلمية عموما على المستوى الليبي المحلي ، لطالما الشباب المبادرين موجودين ، الأفكار موجودة ، الطموح و الرغبة موجودة ،، فهل يبقى الممول لمثل هذه الأبحاث خاصة التي تحتاج إلى معامل أو مواد او غيرها من وسائل البحث هو ما يعوزه الباحثين للإنطلاق بمشاريع بحثية يتم ينشرها محليا و عالميا ؟؟؟

    No votes yet.
    Please wait...
  • أحمد مبروك رمضان
    أحمد مبروك رمضان الكاتب

    أعرف الكثير من الأطباء الشباب الذين ليس لديهم أي استعدا للقيام بالأبحاث. لا أدري أهو قلة الشغف أم انعدام الجدوى في وجهة نظرهم!

    No votes yet.
    Please wait...