التعليم الطبي في ليبيا: التحديات 1


المقدمة*

تعتبر ليبيا بلداً شمال أفريقي ذي مساحة تبلغ حوالي 1.775.500 كم2 (ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا). وبالرغم من المساحة الكبيرة لهذا البلد إلا أن عدد سكانه يعتبر صغيراً (5.3 مليون) حيث أن الصحراء تشكل نسبة كبيرة من مساحته – ما يجعل ليبيا من بين أقل بلدان العالم في معدلات الكثافة السكانية (2.9 شخص لكل كم2) (مرصد الأنظمة الصحية الإقليمية الشرق أوسطية 2007). معظم سكان البلاد من فئة الشباب (32% من سكان البلاد تحت سن 15) ومن الحضر حيث يعيش (85%) من السكان في المدن الساحلية الرئيسية, أي طرابلس (العاصمة) وبنغازي (ثاني أكبر مدينة) (مرصد الأنظمة الصحية الإقليمية الشرق أوسطية 2007). تحيط بليبيا مصر من جهة الشرق, تونس والجزائر من جهة الغرب, التشاد ونجيريا من جهة الجنوب والسودان من جهة الجنوب الشرقي.

لقد كانت ليبيا مستعمرة إيطالية منذ عام 1911 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية. واستولت بريطانيا بعدها على ليبيا وجعلتها محمية, ومع هذا فإن ليبيا تحصلت على استقلالها في عام 1951. عند استقلالها كانت ليبيا إحدى أفقر دول العالم مع معدلات قراءة وكتابة كبيرة وعدد قليل جداً من الأشخاص ذوي الشهادات الجامعية. غير اكتشاف النفط في عام 1960 وجه الدولة بشكل كبير جداً. فقد ارتفعت معدلات المعيشة وتصاعدت معدلات القراءة والكتابة إلى 86% من عدد السكان الذين تزيد أعمارهم عن 15 سنة (مرصد الأنظمة الصحية الإقليمية الشرق أوسطية 2007). تعتبر ليبيا حالياً إحدى أغنى الدول الأفريقية بمعدل دخل لكل فرد يقدر بأكثر من 7000 دولار أمريكي, وهي تصنف من قبل البنك الدولي بأنها دولة ذات دخل متوسط-علوي (مرصد الأنظمة الصحية الإقليمية الشرق أوسطية 2007).

وقد أشار تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية في عام 2007 عن ملف الصحة في ليبيا, أشار إلى أن المؤشرات الأساسية لوضع الصحة هي مؤشرات مختلطة (مرصد الأنظمة الصحية الإقليمية الشرق أوسطية 2007). متوسط العمر بحسب الصحة (64 سنة) وهو من بين أفضل المعدلات في المنطقة الشرق أوسطية, في حين أن معدلات الوفيات فيما بين الأمهات, حديثي الولادة والرضع تشبه تلك المعدلات الخاصة بالدول الشرق أوسطية ولكنها أسوأ من تلك الخاصة بدول منظمة التعاون والتطوير الاقتصادي.

 

نقاط عملية:

  • أول كليتين طبيتين في ليبيا بدأتا في السبعينات وتلى ذلك توسع كبير في عدد الكليات الجديدة خلال التسعينات.
  • كل الكليات الطبية تعمل وفقاً للمناهج التقليدية.
  • هناك تحديات كثيرة تواجه الكليات الطبية, ومن أهم هذه التحديات العدد الكبير للطلبة بدون أن تقابلهم موارد  مطابقة.
  • هناك حاجة ملحة لتحديث وتطوير التعليم الطبي بشكل كامل.
  • تصرف الدولة 3.3% فقط من إجمالي الناتج المحلي على قطاع الصحة وأقل من 4% على التعليم (مرصد الأنظمة الصحية الإقليمية الشرق أوسطية 2007).

 

تقدم التعليم الطبي الجامعي

عقب استقلال ليبيا في عام 1951 وكجزء من خطة لتوفير الدعم الاقتصادي, تم كفالة عدد من الطلبة من قبل دول أجنبية. تم تقديم هذه المنح الدراسية من قبل كل من مصر, إيطاليا وبريطانيا. ورغم هذا, ومع اكتشاف النفط في بداية الستينات, فقد تكفلت الحكومة الليبية بعدد لا بأس به من الطلبة لدراسة الطب في مجموعة من الدول الأوروبية والأمريكية. أدى هذا لنشوء أول جيل من الأطباء والأكاديميين الليبيين الذين أسسوا أول كلية طبية في بنغازي في عام 1970, والتي تلتها ثاني كلية في طرابلس في عام 1973. وقد تم بمساعدة بعض الخبرات الأكاديمية الأجنبية تأسيس التعليم الطبي. في عام 1984, توحدت الكلية الطبية في بنغازي مع غيرها من الكليات الخاصة بالقطاع الصحي لتكوين جامعة جديدة عرفت باسم جامعة العرب الطبية.

 

جدول 1. قائمة بالكليات الطبية في ليبيا
الاسم المدينة سنة التأسيس عدد الطلاب عدد الموظفين الأكاديميين عدد الخريجين
جامعة العرب الطبية بنغازي 1970 3155 570 3945
جامعة الفاتح للعلوم الطبية طرابلس 1973 11072 678 5981
جامعة سبها سبها 187 812 38 257
جامعة التحدي سرت 1990 775 63 227
جامعة السابع من أكتوبر مصراتة 1997 1397 59 305
جامعة السابع من أبريل الزاوية 1998 2424 113 305
جامعة المرقب الخمس 1999 1431 53 209
جامعة عمر المختار البيضاء 2001 1910 60 93
جامعة الجبل الغربي غريان 1999 920 92 41
الجامعة الطبية العالمية الليبية بنغازي 2007 177 30

تم الحصول على البيانات من خلال التواصل المباشر مع الجامعات.

 

حدث شيء مشابه في طرابلس في عام 1986 حيث ولدت جامعة الفاتح للعلوم الطبية.

استند نظام التعليم الطبي المؤسس حديثاً على المنهج البريطاني كما استخدم اللغة الإنجليزية كلغة تدريس. ينبغي على الطلبة في هذا النظام أن يمضوا سنة تحضيرية يتم فيها تدريس مواد معينة مثل الكيمياء, الفيزياء, علم الحيوان, علم النبات والإحصاء. تلي هذه السنة ثلاث سنوات يتم فيها دراسة عدد من العلوم الأساسية والتي تشمل علم التشريح, علم الأنسجة, الكيمياء الحيوية, علم وظائف الأعضاء, علم الكائنات الدقيقة, علم المناعة, علم الطفيليات, علم العقاقير وعلم الأمراض. يلي هذا التدريب السريري في مواضيع مختلفة مثل الباطنية, الجراحة, النساء والولادة, وطب الأطفال. وقد تم اعتبار كل من طب العيون, الطب الشرعي وطب المجتمع مواضيع مفصولة لها امتحاناتها الخاصة. مع ذلك, فإنه ليس هناك أي تركيز على المواضيع الصحية الأولية, حيث أن الدورة التعليمية تعتمد على المستشفيات. أخيراً, فإنه على الأطباء المتخرجين حديثاً أن يمروا بسنة تدريبية تقسم كالتالي: 3 أشهر للطب العام, 3 أشهر للجراحة العامة, شهرين لطب التوليد, شهرين لطب الأطفال, شهر لطب المجتمع وشهر اختياري. طريقة التدريس تستند بشكل أساسي على تدريس مجموعة كبيرة من الطلبة في آن واحد على شكل محاضرات تعليمية. تستند المحاضرات على المدرس وهي تفصل العلوم الأساسية تماماً عن تلك السريرية. تعتمد طرق التقييم على الامتحانات المكتوبة والتي تتكون أساساً من الأسئلة المتعددة الخيارات, المقالات القصيرة والطويلة, والامتحان السريري الذي يشمل الحالات المرضية القصيرة والطويلة والـ(viva).

في السنوات القليلة الأولى لانطلاقة كلا الكليتين الطبيتين كان عدد الطلبة محدوداً وبلغ حوالي 50 طالبا, وتم في حينها تطبيق معايير تعليمية جيدة. كانت معايير الاختيار واضحة واستندت على الدرجات التي تحصل عليها الطلبة في امتحانات الثانوية. التزمت الكليات بالمعايير العالمية المعمول بها في وقتها, وقد مثل الأطباء الزائرين والممتحنين من الخارج جزءاً أساسياً ودورياً من عملية التعليم والتقييم. تمتعت كلا الكليتين بسمعة جيدة على المستوى الإقليمية والعالمي, وبعض خريجي هاتين الكليتين يعملون الآن في وظائف طبية وبحثية جيدة في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية. ازداد عدد الطلبة عبر السنوات إلى بعض مئات, ومن ثم بضعة آلاف بدون أية زيادة مقابلة في الموارد.و لم تقم أي من الكليتين بتطوير نفسها الأمر الذي أدى بشكل حتمي إلى حدوث انحدار في المعايير(ضو والخماس 2008).

بين العامين 1987 و2001 شهدت البلاد ازدياداً كبيراً في عدد الكليات الطبية. تم تأسيس سبعة كليات طبية عبر ليبيا, في كل من سبها, سرت, مصراتة, الزاوية, الخمس, البيضاء وغريان. حديثاً, دخل القطاع الخاص في مجال التعليم الطبي وتم تأسيس أول كلية طبية خاصة في بنغازي, وبهذا وصل عدد الكليات الطبية عبر ليبيا إلى 10 كليات بما يقرب من 24,000 طالب (جدول 1). قامت جميع الكليات الجديدة باستنساخ نفس المنهج المستخدم في الكليات الطبية في بنغازي وطرابلس وقامت أيضاً بتطبيق طرق تدريس وتقييم مشابهة. لم يكن هناك أي إبداع أو تبني لأفكار جديدة.

 

تقدم التعليم الطبي العالي

على مر السنين, تم إرسال الأطباء الليبيين إلى الخارج من أجل الحصول على التدريب العالي والتخصصي بشكل خاص في كل من المملكة المتحدة, أمريكا, وكندا. مع ذلك, فإن بعض الخريجين لم يتمكنوا من الحصول على منح للتدرب خارج البلاد وقرروا فقط أن يعتمدوا على أنفسهم ومن ثم السفر. وقد كان هذا خياراً شائعاً خصوصاً في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات عندما أصبحت منح الحكومة أقل بكثير. وكنتيجة لهذا الأمر, اختار بعض الأطباء عدم العودة لليبيا وبدأت ظاهرة هجرة الأدمغة الطبية بالظهور في ليبيا. هاجر ما يقرب من 600 طبيب ليبي بشكل خاص لكل من المملكة المتحدة (>60%), الولايات المتحدة الأمريكية وكندا (مولان 2005, كليمينس وبيترسون 2008). ولهذا فإنه يقدر بأن 8.9% من العدد الكلي للأطباء الليبين يمارسون مهنة الطب خارج ليبيا (مولان 2005). أيضاً, ظهرت ليبيا من ضمن الدول الأفريقية الخمسة المتصدرة والتي تم فيها احتساب كثافة هجرة الأطباء (عدد الأطباء المهاجرين لكل 1000 من عدد السكان) (أراح 2007).

في عام 1980, أقامت عدد من الدول العربية من ضمنها ليبيا المجلس العربي الموحد في العديد من التخصصات السريرية. وقد كان هدف المجلس تطوير برامجع تدريب الأطباء المقيمين, وضع معايير تدريبية شاملة لمختلف التخصصات ووضع أساس للتقييم الموحد للمستوى العلمي, التقني والعملي للمتدربين في الدول العربية. لا توجد هناك أية معلومات تشير إلى مدى نجاح هذا البرنامج في ليبيا, إلا أن الانطباع العام ليس مشجعاً جداً.

في منتصف التسعينات تم تأسيس المجلس الليبي للتخصصات الطبية بهدف تدريب الأطباء والوصول بهم إلى مستوى الطبيب الأخصائي والاستشاري. وحتى يومنا هذا, تخرج من هذا المجلس 346 طبيباً في سبعة تخصصات سريرية مختلفة. وقد أخذ المجلس على عاتقه أيضاً مسؤولية المحافظة على برنامج التعليم الطبي المستمر, بالإضافة إلى تشجيع البحث العلمي والتعاون مع غيره من الأجسام الإقليمية والدولية مثل الكلية الملكية البريطانية.

 

الأنشطة البحثية والمنشورات الطبية الحيوية

وفقاً لقاعدة بيانات (PubMed) فقد تم نشر أول مقالة من ليبيا في عام 1952 حيث قام مجموعة من الأطباء الفرنسيين بنشر مقالة حول البيهارزيوسيس (Biharzioses) في فزان (المنطقة الجنوبية من ليبيا) في دورية (Annales de Parasilogie Humaine et compare). بعد ذلك وحتى عام 1971, تم نشر أكثر من 50 ورقة بحثية بشكل أساسي من قبل الأطباء الإيطاليين حول الأمراض المعدية مثل مرض السل.

بدأت الأوراق البحثية الطبية الحيوية ذات العلاقة بالكليات الطبية الليبية في الظهور مع بداية السبعينات, ووصلت إلى ذروتها في عام 1988 حيث تم نشر 23 مقالة بحثية أصلية. لسوء الحظ, فإن معدل المنشورات انخفض إلى ثمانية في عام 2007 بالرغم من الزيادة الكبيرة في عدد الكليات الطبية وبالرغم من تضمين مشروع البحث كأحد المتطلبات الأساسية للحصول على البورد الليبي من المجلس الليبي للتخصصات الطبية (بن عامر 2008).

هناك أدلة واضحة تشير إلى أن ليبيا تقع خلف نظيراتها من الدول عندما يتعلق الأمر بالبحث الطبي. في ورقت بحثية نظرت في المنشورات الطبية لعشرين دولة عربية, جاءت ليبيا في الترتيب الثاني عشر في متوسط معدل النشر السنوي, في الترتيب العاشر عندما تم تطبيع البيانات بحسب السكان وفي الترتيب الخامس عشر عندما تم تطبيع البيانات بحسب إجمالي الناتج المحلي (شعبان وأبوزيدان 2003). أظهرت دراسة أخرى أن ليبيا جاءت في مرتبة أدنى من كل من المغرب, تونس واليمن في العدد الكلي من المنشورات في لقاعدة بيانات (PubMed) بين العامين 2002 و2006 (البكوش وآخرون 2007). تم الوصول لنفس النتيجة عندما تم تطبيع البيانات وفقاً لإجمالي الناتج المحلي (البكوش وآخرون 2007). لم تظهر ليبيا في قائمة أفضل 20 دولة أفريقية عندما تم حساب العدد الكلي ومتوسط العدد السنوي من المنشورات الطبية الحيوية لكل دولة أفريقية من عام 1996 وحتى عام 2005, وعندما تم معايرة عدد المنشورات الطبية الحيوية وفقاً لمعدل النشر السنوي لكل مليون من عدد السكان (عثمان وعثمان 2007).

هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى فشل الكليات الطبية في إخراج بحوث جيدة. فليست هناك عناصر بحثية في المناهج ما يؤدي إلى إنهاء الطلبة لتعليمهم الطبي بدون أن ينخرطوا في أي مشروع بحثي أو بدون أن يفهموا حتى مفاهيم البحث (ضو والخماس 2008). أدى هذا إلى غياب ثقافة البحث بين الأطباء, خصوصاً وأن غالبية الأطباء الأجانب الذين ساهموا في تأسيس الكليات الطبية غادروا البلاد (بن عامر وآخرون 2008). وتعتبر ثقافة المحسوبية متفشية عندما يتعلق الأمر بالتوظيف الأكاديمي والترقيات ضمن الكليات الطبية (ضو والخماس 2008). تعتبر البنية التحتية المساعدة في إعطاء العلوم الأساسية والبحث السريري ضعيفة حيث لا توجد أية أجسام واضحة تعمل على إعطاء منح بحثية (بن عامر 2007). ويعتبر هذا الأمر إحدى التحديات الرئيسية التي تواجه التعليم الطبي في ليبيا.

نشرت الكلية الطبية في بنغازي أول مجلة طبية في ليبيا, وقد عرفت باسم مجلة قاريونس الطبية وذلك في عام 1978. تم نشر آخر إصدار من هذه المجلة في عام 2005 بحسب ما تمت فهرسته في الفهرس الطبي الليبي. في العقدين الأخيرين ظهرت العديد من المجلات الأخرى وهي: مجلة الفاتح الطبية, مجلة جامعة سبها للعلوم الطبية, المجلة الليبية للبحث الطبي, مجلة زوارة الطبية, مجلة العظام الطبية وجريدة الرازي الطبية. لم تستمر أي من هذه المجلات لأكثر من سنة. أطلق المجلس الليبي للتخصصات الطبية مجلة الجماهيرية الطبية في عام 2001, وقد كان الهدف المحدد هو “تبادل الأفكار والبحوث بين الأطباء في ليبيا, في العالم العربي وفي باقي دول العالم”. في عام 2007, أطلق المركز الليبي للوقاية والسيطرة على الأمراض المعدية المجلة الليبية للأمراض المعدية التي تنشر مرتين في السنة. ومع ذلك, فإن كل هذه المجلات الجديدة كانت في مهدها ولم يتم إدراجها في أي قاعدة بيانات عالمية.

في عام 2006, قام عدد من الأطباء الليبيين العاملين في أوروبا وأمريكا الشمالية بإطلاق المجلة الليبية للطب كمجلة طبية محكمة (peer-reviewed) ذات وصول مفتوح, نشرت بشكل ربع سنوي, وقد كانت تستهدف كل من البحاث الأكاديميين والسريريين. وقد كان هدفها الأول هو نشر علم الطب للجميع مجاناً. نجحت المجلة بدرجة كبيرة في استقطاب العمل الأصلي من ليبيا ومن العديد من الدول النامية, وقد تم إدراجها في جوجل الباحث العلمي (Google Scholar), في دليل مجلات الوصول المفتوح, وفي الإيمباسي (Embase).

 

التحديات التي تواجه التعليم الطبي في ليبيا

يمكن تلخيص الصعوبات التي تواجه التعليم الطبي في ليبيا كما يلي:

أ‌. المنهج وأساليب التدريس: منذ إطلاق أول كلية طبية في بنغازي في عام 1970, لم يتم مراجعة أو تحديث المنهج التقليدي. وقد قامت جميع الكليات الطبية الجديدة بنسخ مناهجها من تلك القديمة ولم تحاول أي من هذه الكليات أن تتبنى نهجاً تعليمياً قائماً على حل المشاكل. لم تُضمن مواضيع معينة مثل كل من مهارات التواصل, الأخلاقيات الطبية والبحث. تستند وسائل التعليم بشكل أساسي على المحاضرات وإعطاء المعلومات الجاهزة للمتلقي, ولم يتم تشجيع التعليم الفعال. لا تحتوي أي من هذه الكليات على قسم للتعلم الطبي. لا توجد أية مراكز للمهارات السريرية. يتم تصميم وسائل التقييم لاختبار عمق المعرفة وليس القدرة على التفكير النقدي وتطوير التعليم الذاتي (الصغير 2006). لم يتم إدخال  الاختبار السريري الموضوعي (OSCE) بعد كإجراء للتقييم السريري.

ب‌. أعداد الطلبة وطرق الاختيار: تصل أعداد طلبة الطب إلى الآلاف بدون وجود موارد كافية تقابلهم. يتم توجيه الطلبة مركزياً من قبل وزارة التعليم العالي إلى الكليات الطبية بدون النظر لقدرة الكلية على التعامل مع هذه الأعداد. لا يسمح للكليات الطبية بأن يكون لها رأي في عدد الطلبة وفي معايير الاختيار ما يؤدي إلى الكثير من الإحباط لكل من الطلبة ولأعضاء هيئة التدريس. ولم تنبثق أية رؤية واضحة أو إستراتيجية لتبرير هذا التوسع الكبير كما أن هناك قلق جدي يتعلق بظهور تشبع كبير لسوق العمل الليبي.

ت. المصادر: تنفق ليبيا أقل من 4% من إجمالي الناتج المحلي على التعليم, ويتم تحويل جزء كبير من هذه النسبة إلى قطاع التعليم الأساسي حيث أن ثلث الشعب الليبي يقع تحت سن 15 سنة (مرصد الأنظمة الصحية الإقليمية الشرق أوسطية 2007). لم يتم مقابلة التوسع الحاصل في عدد الجامعات والكليات الطبية بالموارد المناسبة ما أدى إلى تأثيرات ضارة على جودة التعليم. الكليات الطبية غير مجهزة بالمعامل, المكتبات, مرافق تكنولوجيا المعلومات أو حتى بقاعات محاضرات مناسبة تتوافق مع عدد الطلبة (الصغير 2006).

ث. المدرسين والأكاديميين: أفضل وصف يمكن إطلاقه على كيفية اختيار الطاقم الأكاديمي والقيادي في الكليات الطبية (في أفضله حالاته) هو وصف الاختيار العشوائي. لا توجد هناك معايير اختيار واضحة كما لا يوجد شيء اسمه مقابلة عمل! لا توجد هناك دورات تدريبية للرفع من مستوى العاملين فيما يتعلق بالتقدم الكبير للعلم في مجال التعليم الطبي. ولا يتم تقديم أية مكافآت مادية أو معنوية للمتميزين.

ج. تدريب ما بعد  التخرج: بالرغم من تأسيس المجلس الليبي للتخصصات الطبية فإن التدريب الهيكلي غير موجود في بعض التخصصات. ولم تصل برامج التعليم الطبي المستمر إلى المستوى المطلوب بعد. غالبية مشاريع البحوث والتي تعتبر جزءاً من البورد الليبي دون المستوى المطلوب وبالتالي لا يتم نشرها.

ح. غياب ضبط الجودة: لا توجد هناك أية محاولات لتقييم مستوى الخريجين, وبالتالي فإنه لا توجد بيانات كافية فيما يتعلق بهذا الأمر المهم. لا يوجد هناك لا هيئة مراقبة جودة وطنية ولا حتى معايير واضحة للاعتماد الأكاديمي للكليات الطبية. ومع ذلك فإن أكثر ما يثير القلق هو حقيقة عدم ظهور أية استراتيجية حول مستقبل التعليم الطبي.

 

الاستنتاج

أفتخت أول كليتين طبيتين في ليبيا أبوابها في السبعينات وتلى ذلك توسع كبير في عدد الكليات الطبية في التسعينات. مع ذلك, فإن المنهج التقليدي لازال معتمداً في كل من الكليات القديمة والجديدة ما أدى إلى وجود اختلاف في جودة مخرجاتها. هناك حاجة ماسة لتحديث كل مؤسسات التعليم الطبي. هناك حاجة أيضاً لهيئة مركزية تشرف وتفرض التغييرات المطلوبة كما أنه من الحيوي جداً التعاون مع المؤسسات العالمية مثل الاتحاد العالمي للتعليم الطبي. وسيسمح هذا الأمر لنظام التعليم الطبي من تخريج أطباء قادرين على الارتقاء لمستوى تحديات القرن العشرين.

 

كتابة: هاني بن عامر، عمران البكوش

ترجمة: محمد جميل

المقال الأصلي

مصدر الصورة: 1

*تغيرت أسماء بعض المؤسسات ونحوها منذ نشر هذا المقال إلى الآن.

محمد جميل

محمد جميل

محمد، طبيب ومتطوع في عدد من مؤسسات المجتمع المدني على رأسها (منظمة لأجلي لدعم الأطفال المصابين بالأورام)، أؤمن جدا بالعمل التطوعي وأراه رفقة العلم عاملاً رئيسياً في نجاح الدول والشعوب، والحمد لله.
محمد جميل

Latest posts by محمد جميل (see all)

Rating: 5.0. From 1 vote.
Please wait...

محمد جميل

عن محمد جميل

محمد، طبيب ومتطوع في عدد من مؤسسات المجتمع المدني على رأسها (منظمة لأجلي لدعم الأطفال المصابين بالأورام)، أؤمن جدا بالعمل التطوعي وأراه رفقة العلم عاملاً رئيسياً في نجاح الدول والشعوب، والحمد لله.


أترك تعليقك، و ناقش علماء ليبيا

One thought on “التعليم الطبي في ليبيا: التحديات

  • خالد علي محمد المهدوي
    خالد علي محمد المهدوي

    شكرا للمعدين والمترجم على هذا الجهد الرائع الذي يعكس صورة التعليم الطبي في بلادنا
    التعليم في بلادنا يحتاج لمراجعة شامله وعلى الأخص التعليم الطبي ….؟
    لأنه يتعلق بشكل مباشر بحياة الإنسان فلا مجال فيه للمحاباه والتساهل بمعنى أن أي أخطاء في مدخلات العمليه التعليميه ستؤدي لأغلاط في مخرجاتها(مصطلح الغلط يعني بقصد)….؟
    ومن هنا يجب علينا جميعا الإهتمام بهذا الأمر غاية الإهتمام.

    No votes yet.
    Please wait...